الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

17

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الأصلية لما عليه الناس قبل الإسلام مع إبطال ما لا يرضاه الدين كالزيادة على الأربع ، وكنكاح المقت ، والمحرّمات من الرضاعة ، والأمر بأن لا يخلوه عن الصداق ، ونحو ذلك . وقوله : مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ أحوال من طابَ ولا يجوز كونها أحوالا من النساء لأنّ النساء أريد به الجنس كلّه لأن ( من ) إمّا تبعيضية أو بيانية وكلاهما تقتضي بقاء البيان على عمومه ، ليصلح للتبعيض وشبهه ، والمعنى : أنّ اللّه وسّع عليكم فلكم في نكاح غير أولئك اليتامى مندوحة عن نكاحهنّ مع الإضرار بهنّ في الصداق ، وفي هذا إدماج لحكم شرعي آخر في خلال حكم القسط لليتامى إلى قوله : ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا . وصيغة مفعل وفعال في أسماء الأعداد من واحد إلى أربعة ، وقيل إلى ستة وقيل إلى عشرة ، وهو الأصح ، وهو مذهب الكوفيّين ، وصحّحه المعرّي في « شرح ديوان المتنبيّ » عند قول أبي الطّيب : أحاد أم سداس في آحاد * ليبلتنا المنوطة بالتنادي تدلّ كلّها على معنى تكرير اسم العدد لقصد التوزيع كقوله تعالى : أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ [ فاطر : 1 ] أي لطائفة جناحان ، ولطائفة ثلاثة ، ولطائفة أربعة . والتوزيع هنا باعتبار اختلاف المخاطبين في السعة والطّول ، فمنهم فريق يستطيع أن يتزوّجوا اثنتين ، فهؤلاء تكون أزواجهم اثنتين اثنتين ، وهلمّ جرّا ، كقولك لجماعة : اقتسموا هذا المال در همين در همين ، وثلاثة ثلاثة ، وأربعة أربعة ، على حسب أكبركم سنّا . وقد دل على ذلك قوله بعد : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً . والظاهر أنّ تحريم الزيادة على الأربع مستفاد من غير هذه الآية لأنّ مجرّد الاقتصار غير كاف في الاستدلال ولكنّه يستأنس به ، وأنّ هذه الآية قرّرت ما ثبت من الاقتصار ، على أربع زوجات كما دلّ على ذلك الحديث الصحيح : إنّ غيلان بن سلمة أسلم على عشر نسوة فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أمسك أربعا وفارق سائرهنّ » . ولعلّ الآية صدرت بذكر العدد المقرّر من قبل نزولها ، تمهيدا لشرع العدل بين النساء ، فإنّ قوله : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً صريح في اعتبار العدل في التنازل في مراتب العدد ينزل بالمكلّف إلى الواحدة . فلا جرم أن يكون خوفه في كلّ مرتبة من مراتب العدد ينزل به إلى التي دونها . ومن العجيب ما حكاه ابن العربي في الأحكام عن قوم من الجهّال - لم يعيّنهم - أنّهم توهّموا أنّ هذه الآية تبيح للرجال تزوّج تسع نساء توهّما بأنّ مثنى وثلاث ورباع مرادفة لاثنين وثلاثا وأربعا ، وأنّ الواو للجمع ، فحصلت